محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ . . . عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ يقول تعالى ذكره : قال شعيب لقومه : يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله ، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام ، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال ؛ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً يعني حلالا طيبا . وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يقول : وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعل خلافه ، بل لا أفعل إلا بما آمركم به ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يقول : لم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتيه إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ يقول : ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم مَا اسْتَطَعْتُ يقول : ما قدرت على إصلاحه لئلا ينالكم من الله عقوبة منكلة ، بخلافكم أمره ومعصيتكم رسوله . وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ يقول : وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله ، فإنه هو المعين على ذلك إن لا يعني عليه لم أصب الحق فيه . وقوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يقول : إلى الله أفوض أمري ، فإنه ثقتي وعليه اعتمادي في أموري . وقوله : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وإليه أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ قال : أرجع حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . قال : وحدثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ قال : أرجع حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ قال : أرجع القول في تأويل قوله تعالى : وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ . . . بِبَعِيدٍ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل شعيب لقومه : وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يقول : لا يحملنكم عداوتي وبغضي وفراق الدين الذي أنا عليه ، على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان وبخس الناس في المكيال والميزان وترك الإنابة والتوبة ، فيصيبكم مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق أَوْ قَوْمَ هُودٍ من العذاب أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من الرجفة . وَما قَوْمُ لُوطٍ الذين ائتفكت بهم الأرض مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ هلاكهم ، أفلا تتعظون به وتعتبرون ؟ يقول : فاعتبروا بهؤلاء ، واحذروا أن يصيبكم بشقاقي مثل الذي أصابهم . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يقول : لا يحملنكم فراقي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ الآية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يقول : لا يحملنكم شقاقي حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي قال عداوتي وبغضائي وفراقي حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ قال : إنما كانوا حديثا منهم قريبا ؛ يعني قوم نوح وعاد وثمود وصالح حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ قال : إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يقال : معناه : وما دار قوم لوط منكم ببعيد . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل شعيب لقومه : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أيها القوم من ذنوبكم بينكم وبين ربكم التي أنتم عليها مقيمون من عبادة الآلهة والأصنام وبخس الناس